مصطفى صادق الرافعي

228

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

وكل ذلك من الأوضاع التي ابتدعها أفصح العرب صلّى اللّه عليه وسلم في هذه اللغة ابتداء ولم تسمع من أحد قبله ، ولا شاركه في مثلها أحد بعد ، وكل كلمة منها كما رأيت لا يعدلها شيء في معناها ، ولا يفي بها كلام في تصوير أجزاء هذا المعنى وانتظام هذه الأجزاء ونفض أصباغها عليها ، وهذا الضرب من الكلام الجامع هو الذي يمتاز البليغ في كل أمة بالكلمة الواحدة من مثله ، أو الكلمتين ، أو الكلمات القليلة القليلة . ولو ذهبت تحصيه في العربية ما رأيته إلا معدودا ، على حين أن خطباءها وشعراءها وكتابها وأدباءها لا يأخذهم العد وقد انفردت بكثرتهم هذه اللغة الخاصة ، حتى لا تساويها في ذلك لغة أمة من الأمم فإن كان لأضخم هذه الأمم بعض شعراء فلنا بعض وكل ، وإن عدوا لنا واحدا « صفرناه » ولا فخر « 1 » . وقلما يتفق ذلك الضرب من الكلام في العربية على مثل ما رأيت من الغرابة البيانية ، إلا في القرآن الكريم والبلاغة النبوية ، وهذه كتب الأدب ودواوين الشعر والرسائل بين أيدينا ؛ فخذ فيها حيث شئت فإنه كلأ : حابس فيه كمرسل « 2 » . على أن أعجب شيء أنك إذا قرنت كلمة من تلك البلاغة إلى مثلها مما في القرآن ، رأيت الفرق بينهما في ظاهره كالفرق بين المعجز وغير المعجز سواء ورأيت كلامه صلّى اللّه عليه وسلم في تلك الحال خاصة مما يطمع في مثله ، وأحسست أن بين نفسك وبينه صلة تطوع لك القدرة عليه وتمد لك أسباب المطمعة فيه ، بخلاف القرآن ، فإنك تستيئس من جملته ، ولا ترى لنفسك إليه طريقا البتة ، إذ لا تحس منه نفسا إنسانية ، ولا أثرا من آثار هذه النفس ، ولا حالة من حالاتها حتى تأنس إلى ذلك على التوهم ، ثم تتوهّم الطمع والمعارضة من هذه الأنسة ، فتمضي عزمك وتقطع برأيك ، وتبتّ القول فيه - كما يكون لك قراءة الكلام الإنساني ، فإن جميع هذا الكلام الآدمي منهاج ، ولجملته طريق ؛ وحدود البلاغة التي تفصل بعضه عن بعض كلها مما يوقف عليه بالحس والعيان ، ويقدر فرق ما بين بعضها إلى بعض مهما بلغ من تفاوتها واختلافها في السبك والصنعة والغرابة . بيد أن ذلك مما لا يستطاع في القرآن ولا وجه إليه بحال من الأحوال فما هو إلا

--> ( 1 ) أي زدناه صفرا فعددنا عشرة ، وأخرجناه كذلك صفرا ولا فخر ، وهذه الكثرة كثرة لغوية ، كما بيناه في الجزء الأول من التاريخ . فهذه اللغة العربية خاصة تقبل من الإعجاز البياني وضروبه ما لا يحمله شيء من لغات الأرض لأن ذلك طبيعي فيها كما عرفت . ( 2 ) هذه العبارة مثل يقال في المرعى الكثير الذي يكون من الخصب في حالة مستوية ، فيخرج العشب بعضه كبعضه ، فمن حبس إبله في موضع منه كمن أرسله ، لأنه لا ميزة لموضع على موضع في معنى الكثرة من النوع .